أسلاك شائكة..

أتعرف أن العالم ليس متسعاً كما يقولون ؟!

وأن الذي نكتب باسمه ولأجله يوجد في مجرة أخرى؟. فكرة القارات الثانية غير مطروحة هنا، فكونك تحمل جواز سفر لا يوصلك أبعد من مركز التجديد في دولة غريبة عنك، هذا سيدفعك لترى العالم ضيقاً جداً، .وترى روحك غارقة في زاوية معتمة لم تخترها، لكنك  وقعتَ غصباً على التوحد فيها..

كل ما نستطيع تخمينه مع الوقت يأتي مكتملاً إن كان بشعاً،  وناقصاً جداً لو كان جميلاً،  في الحقيقة أنا مللت من فكرة أن أحرس الأشياء الجميلة في حياتي، اعتدت توديعها فقط لدرجة أنني أصبحت أتقن حفلات التأبين خاصتها، فأنا أرتدي الأسود منذ أول موت صادفته في سوريا، وقد جعلته ظلاً لكل الحكايات خارجها، أنتعل بعض الحزن وأحمل ضحكة فيها الكثير من الكذب ربما، علينا أن نعترف أن الذي نخسره بعد مغادرتنا لمدننا الجميلة أكبر من أن يتم حصره بنص ما، أو بورقة محشوة بعواطفنا وأشواقنا. بعد خروجي من دمشق فقدت جزءاً كبيراً من ذاكرتي، ظننت في البدء أن الأمر متعلق فقط بذاكرتي طويلة الأمد التي أحملها منذ عشرين عاماً، لكن الأمر أبعد من ذلك، فأنا اكتشفت أني خسرت الكثير من خلايا دماغي التي يتوجب عليها حفظ ذاكرتي الحالية، الأمر الذي يجعلني أعود بالزمن لفترات طويلة عشتها في ظل هذه الغربة المقيتة دون أن أستطيع تذكرها، التفاصيل والكثير من الأشياء فيها ضائعة لدرجة أنني أستطيع اختصار سنتين كاملتين بيوم أو يومين لم يزالا في ذاكرتي وأخشى عليهما من التلف..

البقاء في المنفى الذي تفرضه عليك ظروف الخروج من بلادك يكون مقيتاً دوماً طالما أنك لا تملك حق العودة، لا أدري ما الذي يجعلك بعيداً هكذا عن أكثر الأماكن قرباً منك، محاولاتي كانت بائسة دائماً وأنا أحاول رؤية كل المدن التي مررت بها بعين دمشقية، رغم أن قلبي يقول دائماً أنه لن تهبط من السماء جنة أخرى في أرض غير دمشق، وكثيراً ما أتعبتني فكرة أن هناك من يتمتع بمكاني بها عوضاً عني تحت مسمى “مواطن شريف لكنه أخرس”، بينما أنا أبتلع مرارة هذا البعد القسري لألف سبب سخيف، من الذي منح الأخرين حقي في بلادي مثلاً؟. 

أعتذر على هذا الدخول المؤسف، أعرف أنك تشتاق دمشقَ مثلي ولا أصدق أنك حصّلت من عطرها شيئاً كما كنت تقول دائماً، لأنه يا عزيزي الحقائق لا تكرر على مسامع الأخرين لكنها لا تتغير في الحقيقة، وكونك أبدلتها بكلمات أخرى دليل على أنك كنت تعيش وهماً ربما. سأعود لأرتب لك حزني على شكل رسالة لن تقرأها أبداً، العالم ضيق، ولكن المنافي والحدود التي تحول بيننا هي المتسعة جداً،  وما يربطنا يا كُلي هو حلم أخضر وثورة ولدت فينا مع أول صوت مرتفع له نفس حدة أصواتنا، الذي بيننا حب لم تتوجه ظروف اللقاء بأكثر من حضن سريع جداً لم يتثنى له أن يحظى ببعض الدفء، بيينا يا عزيزي أغنية يحبها الجميع لكنها تخصنا وحدنا، ووعود لم ندونها ولم نحفظها لكنها جزء من قصتنا، ما بيننا كلمة، وقصيدة تُلقيها أنتَ على عجل دون أن تقوم بمراجعتها، ونص سخيف أكتبه لأجلك وأقحم فيه دمشق وأشبهها بك، أنا التي لم أكن أظن في يوم من الأيام أن يشبهها أحد ما في نظري، هل رأيت كيف يكون الكون ضيقاً لدرجة أنه يغير مفاهيمنا التي عشنا معها عمراً طويلاً؟!

العالم ضيق وأنت متسع جداً كسماء .. “غيمة شاردة أنتِ ومهما شردتي لا سبيل لك إلاي .. أنا سماؤك” .. وأنا اليوم تائهة كغيمة لا مرسى لها سواك .. يا بحراً تعب من السفر فاستراح على شاطئيَ البنفسجي الذي لم يعرف إلا الصمت في وجه تعبك .. واحتضانك لوقت طويل جداً حتى تفلّتَ ربما .. ألم يزل في دربنا متسع لنغني معاً؟!..

#جنونيات_بنفسجية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s