ذاكرة تشبهُ ثورة..

كانت قناديل المدينة وحدها التي تضيء في العتمة، هناك تشييع قد مر بعد المغرب من هنا وكان خجولاً تماماً مثل الموت الذي باغت صاحبه، الرجل الذي كان يقطع الشارع حاملاً حاجيات عائلته، أهداه القناص رصاصة في الرأس ونزفاً طويلاً حتى الموت كافتتاحية له في شارع لن يتمكن أحد من المرور به لاحقاً لإنقاذ جثة!.

الصمت الذي تُخلفه كل المظاهر الحية قبل لحظات في الشارع كان مخيفاً، تسمع أدق التفاصيل التي تحركها الرياح الخائفة مثلك هناك، تُعدها وتخمنها منتظراً أن يحين دور منزلك بالاقتحامات، كانت الشوارع حينها تحمل صدى صرخاتهم التي لم يستطع الخوف أن ينال منها بعد، تحمل دمعهم، وابتهالاتهم، ثقتهم بثورتهم، وأهازيجهم العالية، لكنها لا تعرف كيف تخفف من وجعهم أبداً.

تمر الاقتحامات المشابهة غالباً باعتقالات كثيرة، أو بتصفيات حتى، بعضهم كان يُقتل في منزله أمام عائلته، وآخرون أكثر حظاً يؤخذون للمعتقل فيموتون وحيدين هناك، أحدهم أسرَّ لي: “أهون علي الموت وحيداً من نظرة أمي وانكسارة أبي وصرخة أختي، الموت وحيداً لن يعذبهم بذات الشكل”.

اعتاد المكلومون في تلك البلاد على تغطية مواجعهم بأقل الأوجاع وطأة كما يظنون، على الرغم من أن الموت واحد، والخيبة واحدة، والوجع الذي يذيب القلب واحد، لكننا دوماً نرى في الهرب من مواجهة كل شيء نعيشه حياة!.

تلك الشوارع حفظت خطوهم، وأصبحت تميزه حتى، كانت ساحة الحرية دوماً ترقص معهم، كأن العلم الأخضر الذي زين قبتَها وجِدَ معها منذ البداية، كأنها كانت تعيد رسمه معهم كلما قام الأمن بدهنه من جديد، تلك القبة بقيت تعاندهم بأخضرها حتى هدوها ذات صبح على رؤوسنا.

1265118_579644515415644_753924306_o

الشوارع المعتمة إلا من بعض قناديل الحكومة في الحارات الضيقة المتربصة بما سيأتي، تبكي وحدتها في الليل وغربة ساكنيها واختفاءهم، لكنها ستضيء غداً من جديد بمظاهرة شموع آخرى، هذه المرة ستكون بعد العشاء، سيُجَن الأمن من عزيمتهم، هكذا حلف برأسنا شهيد ما ..في آخر مظاهرة !

لم نزل نكتب ذلك النزف فينا، رغم أنه يتحاشى وجعنا لأنه يود الخروج، هو يمتلك صوتاً عالياً كذاك الذي فقدناه عندما اضطررنا لترك كل أشيائنا الحبيبة خلفنا، والخروج راكضين من منازلنا قبل انتهاء هدنة الموت الساعية، وهناك بقيت الحكاية معلقة لم تنتهِ .. ولن تنتهي!

 

Advertisements

مرآة ذواتنا المتصدعة ..

لا يمر الوقت كما يقولون إنه يحرقني فقط، هذه الساعات التي لا تعرف الانتهاء ولا تعرف المضي كذلك تشبه اللعنة ..
اليوم كنت أهرب من كل الأشياء المترتب علي فعلها، أهرب من نفسي، من رغباتي، من خوفي الأحمق والكبير، أهرب من فكرة التعلق بطيفك الذي يشبه الوطن، ومن فكرة موتي ..
ومع هروبي الكبير أجدني أخجل إذ جعلت حزني أبعد من ذلك الوطن، وأخجل عندما تصبح صورته معلقة على جدار قلبي كميدالية خسرتها واحتفظت بسلسلتها فقط!

أخجل عندما تصبح الحكاية مؤلمة لتلك الدرجة التي تتكدس فيها مواجع الآخرين بي على شكل دمع يتعبني ولا يخرج !. أخجل من شوقي الجنوني هذا لمدينتي، وأخجل أنني لا أحفظ تواريخ المجازر التي قضى بها كل الذين أحبهم جيداً ..
أكره هربي من كل تلك الدموع والانتحابات ..
وأكره اعتقادي دوماً أنني لست الناجية الوحيدة في هذه الحرب المصطنعة وأن الموت لم يطل الجميع بعد ..
والحقيقة هي أنني لست سوى الوحيدة القادرة على التماسك كذباً في ظل كل الذي يحدث، وأن الموت طال قلوب الجميع، وقلبي يقاوم معتقداً أنه سينجح ..
أخجل من صورة غياث وباسل وأنس وعمار وطارق، ومن صوت آلاء وطل ودينا وحكاياتهم، أخجل من كل الصور المخبأة تحت كلمة قهر، وأخجل من كل الذي يمس قلبي بفرح بعيداً عنهم …
في الفترة الأخيرة استحوذت قصة انتحار فرجيينا وولف على تفكيري أيضاً كأنها جزء من قصص الموت التي لا أتوقف عن قرأتها وسماعها والغرق بها، كانت تكرر نفسها في رأسي كأنها آلاف القصص ..
كثيراً ما أتساءل عن من لديهم حياة خاصة واستثنائية بشكل مختلف، ويمتلكون قلماً وأوراقاً مليئة بالعجائب، كيف يموتون هكذا؟!
كيف يستطيعون إخراس صوتهم بتلك الطريقة المؤذية!
ألم تشعر فرجيينا وهي تبتلع الماء بأنها تريد أن تكتب تلك اللحظة؟!. تريد أن ترسمها كما رأتها على أوراقها!
ألم تضحك وهي تموت فقط لأنها ستغلب الكلمات ثانية، وستقتلها قبل أن تولد!
أتذكر مرة كنت أفكر كيف يستطيعون الانتحار باستخدام شفرة وقطع وريدهم عند المعصم؟!. كنت أريد تجربة الأمر عندما انفجرت ضاحكة وأخذت دفتري بجانبي وكتبت شيئاً يشبه الوصية ..
كان الأمر بالنسبة لي أشبه بمسرحية دراماتيكية سخيفة للغاية: “هيا أرجوكم أنا أحاول الموت، أنقذوني!”.
مؤخراً أخبرني أخي بأحد اتصالاته أنه لا يعرف السبب الذي يدفعني للبقاء على قيد الحياة حتى اللحظة. “لو مكانك بنتحر”  قال هذا ولم يصدر عن صوته أي شيء يشبه المزاح، أجبته حينها بجدية أكثر: لم أجد طريقة مثلى للانتحار تكون مضمونة بلا عودة ..

كانت إجابتي ذات وقع عظيم عليه لدرجة أنه سكت مطولاً ثم غير مجرى الحديث تماماً.

أنا في الحقيقة أريد أقصر الطرق دوماً، بكل بساطة في كل شيء بالحياة، حتى بالوصول لك، بالعودة لدمشق .. وبإيجادي كذلك، على الرغم من أنني أسلك دائماً الدرب الأكثر طولاً والأكثر مشقة إلا أنني أرغب باقتطاع وقت أكثر دون أن أقيس طول ذلك الطريق ..

مشكلتي عندما أعجز عن شيء ما في الغالب أتخلى عنه، أو لنكن أكثر صدقاً أهرب منه، وأواجه إيماني به مع صراع طويل جداً لا يلبث أن يقل تدريجياً، ولا شيء أُكثِر الهرب منه في الحياة سواي ..

#جنونيات_بنفسجية

عشريننا الباكي ..

نحنُ الذين نعرف أن البكاء هو حيلتنا باستلام الأشياء الجميلة ..
البكاء لنفرح ولنتألم ..
عند الخلاص وفي أوج موتنا المزيف ..
أنا المليئة بكل خطوط الحزن التي تغير وجوه العشرين بي ..
الممتنة لكل الظروف التي جعلتني وحيدة هكذا في هذه الغرفة المعتمة ..
حيث أستطيع التألم والبكاء وحدي ..
الوحدة هي الشيء الوحيد الذي خرجت به سالماً من هذه الحرب التي أكلت مني كل بقاياي .. وكل يباسي !
الخط الزمني الذي ينعتونه بالعشريني اليوم .. يرهقني بارتباطه بكل الوجع الذي يحتويه قلبي ..صريع الحب ..والشوق .. والانتظار ..
أنا التي أعجز عن ترتيب أشيائي المبعثرة فقط لأنني أخاف من نار جديدة تبتلعها وأنا أحتفظ بها بشكلها المرتب !
أن أبكي عليها مبعثرة هنا وهناك .. أهون من أن أبكي عليها بصورة واحدة ..
لا صوت لي .. ولا صوتك معي حتى ..
العتمة تبتلعني .. أود البكاء فقط ..
والجدار خلفي بارد للغاية .. بارد لدرجة أنه يجعلني أبكي أكثر ..
الدفء كان في هذا العالم … أبعد من أن يكون على مسافة قبلة ..
أو حضن يعبر بي فوق كل تلك الحدود بيني وبين الوطن ..وبينك !
كان الأمر أشبه باقتلاعي .. أشبه بموتي الذي لا أملك أمامه إلا الانصياع ..
نحنُ تعلمنا أمام كل الذي رأيناه .. أن نبتسم فقط .. وأن نخفي دموعنا بعتمة الجدران والأسِرة وحسب !

#جنونيات_بنفسجية