كل ثورة وأنتِ نحن..

يخفقُ قلبي كلما اقترب تاريخ ذكرى الثورة أكثر، كل ما أستطيع تذكره والحرص عليه هو دهشتي الأولى: أن كيف حدث كل ذلك؟

وتسلسل كل شيء بعدها، من الهتاف للأسد سابقاً في باحة المدرسة حتى لعنه بعد أقل من شهر في الباحة ذاتها بتوجس شديد، وبصوت مرتفع بعد نصف شهر من ولادة الثورة وولادتي المتأخرة قليلاً حينما ضج الريف الدمشقي مرة واحدة وبصوت واحد يهتف بإسقاط الأسد!

أحببتُ الثورة على قدر كل الألم الذي ولد داخلي فيها، على كل شهيد سقط وكل دمعة ابتلعتها وأنا أحاول حفظ أسمائهم، كنت دائماً أقول أنني سأحفظ أسماءهم وغداً سنستبدل أسماء المدارس بأسماء شهدائنا الحقيقيين. كنت أقنعُ نفسي أن هؤلاء هم الشهداء الحقيقيون، على الأقل من شاهدنا تضحياتهم بغصن الزيتون أمام البندقية.

كانت المشاهد تؤلمني كثيراً، وكنتُ أصر على رؤيتها واقفة وأنا أضع يدي على فمي وعيناي مركزتان على الرصاصة حتى تستقر بجسد الشهيد أو الجريح. كان الأمر متعباً على شاشة التلفاز، لكني ربما كنت أُكذّبُ نفسي فقط، أكذّب ذلك الإيمان الغبي الذي اضطررنا على عيشه عندما كان أهلنا يقنعوننا أن هذا الرئيس لا يشبه أباه، وأحببناه بسذاجتنا واعتقادنا أن تلك الألقاب والتمجيدات التي تخصهم لا تعنينا بشيء. على الرغم من تشعبهم في أرضنا، فالبيت بيتهم، والبلد بلدهم وهذا ليس كلاماً مجازياً أبداً؛ مكتبتنا الكبيرة والمركزية في دمشق تحمل اسمهم، ضواحي المدن الحديثة، المنشآت، المشاريع، حتى الوطن صار مكنى بهم.

ذات صباح فاجأتني عبارة على أحد جدران المدينة تُصدق ذلك المَّد الدموي في بداية الثورة، كانت مكتوبة بثقة وبتحدي واضح: “الأسد أو نحرق البلد”. للأمانة، رغم معرفتي بكل الدموية التي سبقت في عصر الأب، وكل ما كان يحدث حينها في البدايات، إلا أنني لم أكن لأتخيل ذلك الشيء، لم أصدق عنصر الأمن على الحاجز حينما أخبرنا أن نحمد الله على نعمة هذا الأمان الذي يحيط بنا في المدينة بسببهم، لأنهم عندما يختفون حتماً ستحترق المدينة بنا. حدث ذلك فعلاً عندما سمعنا الطائرة تحلق فوقنا للمرة الأولى، لم يكونوا هنا!

مع الأيام وازدياد عدد الشهداء أصبحت عاجزة عن حفظ أسمائهم أو طرق استشهادهم، كنت أكتب التواريخ عندي على جدار مكتبتي المُطِل على سريري أو على أوراقي الكثيرة المبعثرة، كلّ حدث وكل اسم وكل قذيفة تسقط حولنا، عدد المظاهرات والهتافات الجديدة، تهديدات الأمن، القنابل المسيلة للدموع، الرصاصات، الاعتقالات، قصص الأشخاص الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم.

في ذلك المكان من غرفتي بكيتُ على أكثر الشهداء وحدي. لم أكن أعرف إلا أسماءهم وصورهم، أو لا أعرف عنهم شيئاً، لكني أبكي فكرة فقدهم جميعاً! الألم داخلي مع الوقت أصبح كبيراً وواسعاً كوطن. أصبحت أبكي كل شهيد ومعتقل حتى لو لم أعرفه وأعيش وجع عائلته على فقده. كان الأمر أكبر من أن يتحمله قلبي أو أن يفهمه عقلي. ما بين يوم وآخر، وكل التصعيدات التي حدثت، كنت أقف مشدوهة بالمجريات، ولا يزال الموت عندي يشكل فارقاً. يقولون أن أشد ألمٍ يطال الإنسان هو الحرق أو الطلق عند الولادة، لكن أحداً لم يقل لنا أن ألم الفقد هذا مميت أكثر من أي شيء في العالم وهذا جُلّ ما شعرناه كسوريين، فقدنا وطناً وحلماً وأهلاً ورفاقاً، وفقدنا أنفسنا.

اليوم، عندما نبدأ بتعداد السنة الخامسة على مرور تلك الثورة، أزداد فخراً أنني كنتُ من أبنائها ذات يوم، وأعي تماماً أن ولادتي هذه هي ولادتي المقدسة.

في سنويتنا العظيمة، ورغم كل ما تألمناه ونتألمه، كل عام وأنتِ نحن وصوتك لا يطاله موت أبداً..

Advertisements

One thought on “كل ثورة وأنتِ نحن..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s