غربتين وثورة ..

كيف يمكنني أن أرد كل هذا الموت داخلي عني؟، أحياناً كثيرة نقبل بالخيبة في روحنا فقط لأننا لا نعرف كفّها عن الوجود. أنا أتنفس الحرية منذ أذار 2011 لكنني اليوم أتنفسها مع شتات ملايين اللاجئين والمشردين، بغضة المغتربين أمثالي وعجزهم العظيم، بدموع الأمهات التي لا يرد حرقتها إلا دعوة تعانق السماء ولا تطفئ تلك النار التي لم تزل تُصب على رؤوسهم، بكل أولئك اليتامى الذين لا تتسع يداي لتضمهم، يداي أصغر بكثير من أن تعبر كل تلك الحدود البشعة وتحتضن حزنهم ودمعهم وتربت على كل أوجاعهم فتمسح التعب عنها قبلاً، أتنفسها بأوجاع المُغيبين بتلك العتمة التي لا تغيب عن خاطري أبداً.

البارحة كنت أقرأ قصة لصديقي المعتقل قرأتها بصوت مرتفع جداً كنت أبكي وأقصّها على نفسي، كانت حروفي تتلعثم لتلك الدرجة التي قد تجعل أي شخص يسمعها مني يبكي فقط من كثرة ارتباكي ودموعي وكلماتي المتداخلة هكذا ..

فأنت عندما تصبح بعيداً عن مرمى الموت وعن كل محاولاتك الجائزة بمساعدة أي شخص يشبهك ويحمل داخله وطناً وحلماً كبيراً وأملاً، تكون عاجزاً متعباً وهذا التعب قد يودي بك إلى الجنون أحياناً، أريد العودة إلى الشام هكذا أواسي نفسي غالباً، ما الذي قد يحصل لي ؟!

لا شيء، فقط سأعانقها طويلاً تلك التي هي مني وأنا منها حتى كل أبديات العالم المجهولة ..

  •  ثورة أخرى ..

لم أزل أسمع صوتك وتبكيني غربتي هذه، ويؤلمني كل ما تركته داخلي من همس ووعود وأحلام، أنا أتكئ على ذكرياتك اليوم لأتماسك، أتذكر حكاياتك عن دمشق فأشعر بالامتنان لأنني لم أزل أحتفظ بها في ذاكرتي ولم تنتزع دهشتي المليئة بصوتك بعض الذي بقي لي منك، كان المساء بارداً ليلة البارحة لم تدفئني الدموع جيداً، كانت الثورة تضخ في دمي دمعاً ووجعاً وسعادة، وكان صوتك يغلف كل شيء برقته المعتادة، وببعده العظيم هذا!

البارحة بكيتُ غربتين في غربة واحدة، نحنُ أقوياء جداً حتى ينتصف الليل يا عزيزي  .. يا لذلك الوجع !

Advertisements

كل ثورة وأنتِ نحن..

يخفقُ قلبي كلما اقترب تاريخ ذكرى الثورة أكثر، كل ما أستطيع تذكره والحرص عليه هو دهشتي الأولى: أن كيف حدث كل ذلك؟

وتسلسل كل شيء بعدها، من الهتاف للأسد سابقاً في باحة المدرسة حتى لعنه بعد أقل من شهر في الباحة ذاتها بتوجس شديد، وبصوت مرتفع بعد نصف شهر من ولادة الثورة وولادتي المتأخرة قليلاً حينما ضج الريف الدمشقي مرة واحدة وبصوت واحد يهتف بإسقاط الأسد!

أحببتُ الثورة على قدر كل الألم الذي ولد داخلي فيها، على كل شهيد سقط وكل دمعة ابتلعتها وأنا أحاول حفظ أسمائهم، كنت دائماً أقول أنني سأحفظ أسماءهم وغداً سنستبدل أسماء المدارس بأسماء شهدائنا الحقيقيين. كنت أقنعُ نفسي أن هؤلاء هم الشهداء الحقيقيون، على الأقل من شاهدنا تضحياتهم بغصن الزيتون أمام البندقية.

كانت المشاهد تؤلمني كثيراً، وكنتُ أصر على رؤيتها واقفة وأنا أضع يدي على فمي وعيناي مركزتان على الرصاصة حتى تستقر بجسد الشهيد أو الجريح. كان الأمر متعباً على شاشة التلفاز، لكني ربما كنت أُكذّبُ نفسي فقط، أكذّب ذلك الإيمان الغبي الذي اضطررنا على عيشه عندما كان أهلنا يقنعوننا أن هذا الرئيس لا يشبه أباه، وأحببناه بسذاجتنا واعتقادنا أن تلك الألقاب والتمجيدات التي تخصهم لا تعنينا بشيء. على الرغم من تشعبهم في أرضنا، فالبيت بيتهم، والبلد بلدهم وهذا ليس كلاماً مجازياً أبداً؛ مكتبتنا الكبيرة والمركزية في دمشق تحمل اسمهم، ضواحي المدن الحديثة، المنشآت، المشاريع، حتى الوطن صار مكنى بهم.

ذات صباح فاجأتني عبارة على أحد جدران المدينة تُصدق ذلك المَّد الدموي في بداية الثورة، كانت مكتوبة بثقة وبتحدي واضح: “الأسد أو نحرق البلد”. للأمانة، رغم معرفتي بكل الدموية التي سبقت في عصر الأب، وكل ما كان يحدث حينها في البدايات، إلا أنني لم أكن لأتخيل ذلك الشيء، لم أصدق عنصر الأمن على الحاجز حينما أخبرنا أن نحمد الله على نعمة هذا الأمان الذي يحيط بنا في المدينة بسببهم، لأنهم عندما يختفون حتماً ستحترق المدينة بنا. حدث ذلك فعلاً عندما سمعنا الطائرة تحلق فوقنا للمرة الأولى، لم يكونوا هنا!

مع الأيام وازدياد عدد الشهداء أصبحت عاجزة عن حفظ أسمائهم أو طرق استشهادهم، كنت أكتب التواريخ عندي على جدار مكتبتي المُطِل على سريري أو على أوراقي الكثيرة المبعثرة، كلّ حدث وكل اسم وكل قذيفة تسقط حولنا، عدد المظاهرات والهتافات الجديدة، تهديدات الأمن، القنابل المسيلة للدموع، الرصاصات، الاعتقالات، قصص الأشخاص الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم.

في ذلك المكان من غرفتي بكيتُ على أكثر الشهداء وحدي. لم أكن أعرف إلا أسماءهم وصورهم، أو لا أعرف عنهم شيئاً، لكني أبكي فكرة فقدهم جميعاً! الألم داخلي مع الوقت أصبح كبيراً وواسعاً كوطن. أصبحت أبكي كل شهيد ومعتقل حتى لو لم أعرفه وأعيش وجع عائلته على فقده. كان الأمر أكبر من أن يتحمله قلبي أو أن يفهمه عقلي. ما بين يوم وآخر، وكل التصعيدات التي حدثت، كنت أقف مشدوهة بالمجريات، ولا يزال الموت عندي يشكل فارقاً. يقولون أن أشد ألمٍ يطال الإنسان هو الحرق أو الطلق عند الولادة، لكن أحداً لم يقل لنا أن ألم الفقد هذا مميت أكثر من أي شيء في العالم وهذا جُلّ ما شعرناه كسوريين، فقدنا وطناً وحلماً وأهلاً ورفاقاً، وفقدنا أنفسنا.

اليوم، عندما نبدأ بتعداد السنة الخامسة على مرور تلك الثورة، أزداد فخراً أنني كنتُ من أبنائها ذات يوم، وأعي تماماً أن ولادتي هذه هي ولادتي المقدسة.

في سنويتنا العظيمة، ورغم كل ما تألمناه ونتألمه، كل عام وأنتِ نحن وصوتك لا يطاله موت أبداً..

غريب عن دمشق !

كيف نختبرُ الألم هكذا دفعة واحدة ؟. وكيف نعيد تكراره كلما عدنا لذلك اليوم الذي شعرنا به للمرة الأولى؟.
كل ما تذكرت آخر نظرة ألقيتها على الشام من اتستراد المزة، وكانت روحي تصارع آخر ذرة في جسدي لتتركها، أفهم معنى أن تموت..
أن تُحدِث الحياة في قلبك ثقباً لا يرممه وجودٌ ولا حضور، أن يبقى هذا الثقب مفتوحاً حتى تتسلل منه كل أحلامك الجميلة وضحكاتك العالية، ودمعاتك أيضاً ! أن تبقى تتنهد كلما شعرتَ به داخلك، وتحاول التأقلم على وجوده..
دونكِ الحياة أكثر قسوة، والشوارع لا تحمل دفئك، صوتُك الذي أخبرني ذات يوم بائس أن أخرجَ ولا أعود لا يزال يتردد داخلي ويحرقني.
كيف كنتِ أماً ورميتني في هذا البرد وحدي؟!
كيف كانت دموعك تغلبك وأنت تقولين لي: لا تعودي الآن!!
أنا وحيدة في هذه المدينة، وحدي أشق طريقي، أبكي ليلاً وحدي، أمشي في شوارع هذه المدن وأحاول أن أحدثها عنك علّها تحاول أن تشبهك..
أنظر على بقعة صغيرة تحيط بي فقط وأربطها بأحد شوارعك، ليكف قلبي عن البكاء.
لا أعرف الحياة جيداً صدقيني، وأشعر بوجع يعتصرني، أتنهد ويخرج الهواء مؤلماً من ذلك الثقب داخلي.
اعتدت وضع العلم الأخضر على كتفي وفي يدي، لأشعرَ فقط أن شيئاً ما منك يشاركني هذه الغربة السوداء، وهذا الوجع المقيت الذي لا ينتهي ..
كيف يتوقف الشوق؟!..
وكيف أستطيع أن أوقف شعور الاقتلاع المؤلم هذا من روحي ؟!

#دمشق
#جنونيات_بنفسجية 💜