عندما يكبرُ الأطفال ..

البارحة كان ميلاد أخي الصغير والذي يُقال عنه نسختي شكلياً ….

آخر العنقود المدلل كما نقول ..

أنا لم أره يوماً كذلك .. فهو لم يكن مدللاً بقدر ما كان كبيراً في وقت مبكر جداً ..
حسن هو الوحيد في المنزل الذي يجعلني أشعر أني كبرت جداً وأن هذه الأيام التي تمضي تسرق مني بقدر ما تمنحني …
هو الذي يشعرني دائماً بأنه منفصل عنا فيكبرُ وحده لأنه كان في الأصل كبيراً قبلنا ..
حين احتمى خلف الجدار وحده في مدرسته بعيداً عنا عندما بدأ الرصاص يملأ السماء ..
وحدهُ كان عائداً من الملعب عندما حدث اشتباك عند مساكن الشرطة وطفولته الكبيرةُ تلك جعلته يختبئ في إحدى البنايات المجاورة بينما أركض أنا كالمجنونة بحثاً عنه قريباً من هناك ..
وحدهُ يمشي في الشارع أثناء حظر التجول وعلى مرأى من القناص نفسه الذي أودى بسبعة أرواح في يوم واحد ..

يبتسمُ لي وأنا أضع قلبي على يدي عندما كان يقطع الشارع وحدهُ تماماً …
وحده عندما كان عالقاً مع والدايّ تحت القصف يحتمي بجدار جيراننا في الساحة الخلفية لبنائنا لتسقط القذيفة بجانبهم فلا يبكي .. لا يبكي !! ..
الطفل الذي ترك مدرسته مبكراً لأنها خارج المدينة ولم يكن أحدٌ يقبلُ بإيصال الطلاب إلى شارعنا بالذات، شارع القناص اللعين، وكما يهرب الناس فطرةً  من الخطر دائماً أبعدناه سنة عن المدرسة وعندما حاول التأقلم مع مدرسة أخرى كنا في طريقنا للسفر ..
حسن هو الجانب الطفولي في حكايتنا .. الصورة التي كبرت مبكراً واقتُلعت من ملعبها الصغير لتكبر وهي تُحصي عدد الرصاصات والقذائف المنهالة عليها ..
حسن طفل كبر في الثورة وشهد الموت مثل الكثيرين من أطفال تلك البلاد ..

في عيونه بضع من حكاياهم المحزنة .. والكثيرُ الكثيرُ من الحياة ..
اليوم يدخل في الخامسة عشر من عمره ..
حسن يكبرني كثيراً وكلما كبر يوماً كبرت أنا معه سنة !!

لك ولأطفال تلك البلاد كل الأمنيات بعالم أكثر أماناً وأكثر إنسانية لتغفروا له كل طفولة هربت منكم في ظل هذا الموت الذي لا يعرف الانتهاء !!

Advertisements

عن اغترابي ..

متأخرةً جداً كنت ..
فبينما كان الآخرونُ  يلملونَ قهرهم وحربهم ويكتبون حكاياتِهم ببعض الدم النازف منهم ومن تلك الجُثث ..
كنتُ أنا أنقلُ بعضَ ما تبقى لي من ذلك المكان المدمر والمحترق لأحمله معي في طريق السفر ..
كنت وحيدةً بقدرِ الضجيج الذي يعلو حولي ..
وحيدةً دون البلاد ودوني هناك ..
كانت اللحظاتُ الكثيرة التي تمرُ بي مليئة بالدموع التي حتى هذا اليوم أفتقد هطولها مطراً ..
كانت تعاندني تماماً كما أعاندُ كل شيء أُضطرُ لعيشه عكس ما أشاء ..
العنادُ الذي أعتبرهُ ملح الحياة الطائشة هذه ..
المتعبِ جداً .. والحارس جداً لكل السوداويات التي اضطررت لرؤيتها خارج دمشق ..
لاحقاً .. ازداد بطش الموت فينا وكنتُ بعيدة جداً ..
أسمعهُ وأقرأ عنه  .. وأنا أشرب القهر بُعدَاً ..
منذ آخر ليلة قضيتها معه متحدثَينِ حتى طلوع الفجر ونحنُ ننتظر سوياً دخول الشبيحة علينا، المتربصين على مداخل المدينة ..
المدينة الصامتة ليلتها المكتظة بالدبابات والجنود ..
كنا نتسامر سوياً وكان القناص حينها لا يُخرِس رصاصاته .. أبداً ..
كنت حينها مغتربة ما قبل غربتي مع الموت وحدي، كما عرفته وحدي ذات ليلة باردة زادها سوءاً طلقات ذلك القناص المجنون ..
منذ ذلك اليوم المتفتح على الحياة صدفة ..
وحتى كل الصدف اليتيمة التي كنتها في حياتي مسبقاً .. وحتى اللحظة !
تأخرت في كل شيء ..
حتى بـ “صباح الخير” التي لم أبعث به لدمشق .. خجلاً ..
وحتى اليأس الذي يقبع داخلي بأن كل الصباحات ستكون ناقصة بعدها ..
وبعد صوته ..
وهكذا حتى تتحدث كل النهايات عن بدايات الموت التي إذا ما انتهت يوماً ستترك فينا فجوة لن يردمها زمن ولا خاتمة !

#جنونيات_بنفسجية