لن يتركنا الله !!

عذراً يا عزيزي لم أجد حلماً جديداً أملأ به مساءك اليوم وأخبرك عنه بطفولتي العبثيةِ المزعجة ..
لم ألتقط كلمةً من المارة أحملها معي إليك لأقنعك أني بدأتُ أتعلم أدب الشوارع بجدية !
لن أستطيعَ سماع صوت ضحكتك آنذاك ..
ستنتفض الرغباتُ في صدري وبوحُ الروح ناصيةٌ لـ الفراق !
أُعلقُ ما تبقى من جنونياتي هناكَ بين غيمات تلك الزرقاء المتسعة ..
التي ما مددتُ يدي نحوها يوماً ولم أفتعل رغبة في ملامستها …
هذا المكانُِ مزدحم بنا … بعَويلنا اللامنقطع وبرغباتِنا المدفونة في خبايا نفوسنا الضعيفة !!

هذا المكانُ يشبه ضياعنا عن كل مقدسات الحياة في أوطاننا ..
ويشبهُ كل محاولاتنا البائسة في اللقاء !!
هاربون بلا جدوى من ذواتنا ..
الموت في الخارج سيء يا سيدي ..
فلا عزاء يُقام على أكفاننا ولا حامليين للنعوش في أرض ليست لنا !!
لم أزل هنا أُحصي الرمال على الأرض كما الحروف في هذه السماء تعشماً ،،
فـ القدر فارغ مني كـ فراغي من الحياة !!
لن يكتبني بشكل بائس أكثر ولن يحملني للفرح عروساً !!

ستسألني كيف أعود ؟!
لا أعرفُ لذاتي طريقاً .. ولم أحفظ أغلب الدروسِ التي أمليتَها علي ، لا أذكرُ إلا صلواتٍ حفظتُها عنك وأنت ترددها علي لتقنعني أننا سنموت متى تركنا الله !
ويغرقُني الشك والرهبة من الموت ، وأحتمي من ذلك الخوف تحت رأسك الذي نطق به !
فـ تُخبرني بأن الله لا يتركنا وأننا الجاحدون ..
أنا يا عزيزي اليوم بكل ما في داخلي من كلمات .. وبملايين تلك الدمعات المعلقة ما بين جفنيّ وعيناي وقلبي … وبكل أحلامي المبعثرة في مدن الشتات … وبحاجتي السوداء للارتماء في حضنك طويلاً جداً .. أشعر أني أترك الرغبات على رصيف الشوق لأركض نحوك …
وما بين اللهثة واللهفة ألتفت لذاتي المرمية هناك منتظرةً قدراً يعيدنا سوياً … نحو الله … ونحو الحلم .. ونحو الطفولة !!
فَـ لا هي تحبُ الانتظار يا سيدي .. ولا الله سيتركنا !!

Advertisements

لا يزالُ الطريقُ طويلاً لإنجابك!

ويحدثُ أن أحملكَ في جوفي طويلَ العمرِ ولا ألِدُك !

ويحملني عار البقاء في انتظارك إلى مخاض الخلاص !

أنا .. يا عمري الطويل محتارةٌ بـ كثيرٍ من الاحتراقات العابثة !

وفي جوفي نار احتوائك تارة ونار رغبتي في انتشالك بين ذراعي تارةً أخرى !!

وأمضي .. ويمضي العمر … وما العمرُ بذلك الأمد الطويل !!

غارقون في ويلات الحياة المتدفقة باغتراباتنا ..

أتدري بنار الحرب يا طفلي ؟!!

أتدركُ كم من الخيبات ترتبط بكَ متى تماهيتَ مع سلاسل الموت والدم ؟!

أنا يا ولدي مرتبطة هناك .. تحت ركام المنزل الجميل الذي أوليتُ له ظهري ذلك اليوم !!

ما زلتُ هناك في بستان النار الذي أحرقته يدُ الظالم وأحالت مواسم الزيتون رماداً!!

في شارع الموت ذاك الذي شهد على موتهم جميعاُ وأذانُ المغرب يومها لم يزل صداه عالقاً في عقلي !!

الله أكبر … أثناء صيامِ اليوم الأول من رمضان الذي ما اكتمل إلا بزفهم شهداءَ طاهرين للسماء !!

هناك يا ولدي تركتُ الكثير مني .. في ساحات الحرية .. وفي دمشق !

كما تركت الحرب داخلي الكثيرَ الكثيرَ من عتمتها ..

في قسوة ما أصبحت تغرقُ به أرضنا .. كيف ستكبر أنتَ في هذا الشتات ؟

كيف سأزرع في رأسك الحذر من الطوائف الأخرى وعَدَ العدة لهم ؟!

كيف سأجعلك تكبرُ على هذا الحقد وأنا التي حتى اليوم لم أعرف كيف أقتنع به أصلاً ؟!

لن أنجبكَ لتغرق في دماءٍ بعضها كـ ” القاتلِ والمقتولِ في النار” وكثيرها قصدٌ مدمر !!!

أنا يا ولدي .. لم أزل كما أنا ..

مرتبطة بأشجار التين في منزل عمي .. وبشجرة النارنج المُطلة على منزل جدي .. مُعلقةٌ بدالية العنب الخضراء في منزلي !!

ورائحة الياسمينِ في شوارع دمشق !

لم أزل يا طفلي أرى وجه الغياب على ملامح الأحلام التي لم أحققها ..

هي باقية في الوطن …كـ جراحنا الممتدة غدراً .. ومثلي تماماً ..

ولا يزال الدم والدمار يحملانني نحو الجنون … فألعن كل شيء حقداً وضياعاً وشتاتاً !!!

لذلك أعجز أن أحمل بك إلى هنا ، كي لا أجعلك ودونما قصد مني جزءاً من هذا الوجع الذي لم نعرف التحرر منه بعد ..

اعذرني يا طفلي الجميل  فـلا يزال الطريقُ طويلاً جداً لإنجابك !!

#جنونيات_بنفسجية