في ميلادنا الرابع !

نعودُ إلى هناكَ محمولين بكل ندباتِ السنين الأربع .. مُتأرجحين جميعاً ما بين الأمل والانكسار !
كثيرونَ منا يحقدونَ على ذلك اليوم .. ويملأون صفحاتَهم بشتمِه ولعنه كأنهُ حامل البلاء لنا .. لا صاحب السيادة والعزم في الوطن !
أقدركم جميعاً .. كرهكم .. وحقدكم .. ولعناتُكم المصبوبة على جماعة “برا” المتبوعةِ دائماً بكلمة المتفزلكين !
وأعودُ للمرة الرابعة لولادتي تلك وأحتفلُ بها دون الالتفات لكم  .. أحتفلُ بقهري وعجزي .. أحتفلُ بابتسامةِ غياث وصرخة طارق ووجع ريان وأمل باسل ودموع آلاء !
أكررُ هروبي ألفَ مرة من صورِِ المعتقلين المسربة لكسرنا مراراً حتى لا أجدَ بينهم ملامح شخص أو صديق هناك .. فحينها أبكي على الجميع كأني أعرفهم !
أتحاشى من جديد أن أحصي أسماء الشهداء ولا أذكر أسماءهم ..

أتوجعُ على الجميع .. أبكيهم جميعاً .. أشعرُ بقهري عنهم وعن عوائلهم .. لذلك لا أتمكن من التفكير برفاهيتي المسلوبة ولا بمنزلي المهدوم أو حلمي الضائع أو ذكرياتي …
أخجل منهم ..

دون أن أقصد أتصفحُ كل تلك السنين بانكساراتي أنا .. 

لا أرى في ذكرى ميلادنا ذاك سوى أوجاعًنا تطفو على السطح ويراها الجميع … أثقُ أننا في السابق كنا ندفنُ كل مواجعنا كما كان يفعلُ أهلنا تماماً ..

أبي لم يكن يتحدثُ عن تفاصيل الثمانينات حتى لا نشعرَ أننا نعيش في مقبرة ..

وأمي لا تجعلُني أتحدثُ مع جارتنا الحموية حتى لا تخبرني عن ابنها المعتقل منذ ثلاثين سنة وأتركُ دمعاتي شاردة على شخص لا أعرفه .. 

وعمي لا يفتحُ لي دفترَ اعتقاله حتى لا أجدني محمولةً بأرتالٍ من الكره على نظام أعيشُ ضمن حدوده ويتوجبُ علي السير بجانب الحائط فهم ” لا يخافون الله ولا يعرفونه “

كنا نعيشُ في وسطٍ يُعتم علينا طريق الموت ، وعندما فتحنا الباب له بكى علينا الجميع … قال لي عمي : ” ستغرقون بالدم .. ستغرقون كثيراً “..

كثيراً ما كنا نقع في نار التهميش ، أنني فتاة وأن القدر في هذا البلد مشؤوم لأمثالي وعلي أن أتحاشى ثورة ستودي بحياتي .. 

وأنا كنتُ أحملُ أوجاعهم على كتفي وفي عقلي صرخةُ أم لم تصدق أن ابنها يدخل عليها بالكفن … وأحتفظُ بدموع أخت المُعتقل وهي تبكيه على حاجز كنتُ أمر به صدفة …

حتى تؤنبني دموعُ تلك الفتاة وهي تقول لي : أبي طار بالهواء !!!! .. كانت تسير على غير هدى بعد أن هربت من مكان التفجير في الهمك !

وأيضاً عندما كنتُ أستنشق الغازَ المسيلَ للدموع وعقلي في الخارج حتى أُنبه المصابينَ في داخل الصيدلية إن مرت دورية للأمن بالقرب منا ..

كنتُ أسمعُ صرخاتَ الشباب في المظاهرات .. وأسكبُ معهم ألاف الدمعات علينا جميعاً ..

حينها لم أفكر أن ألعن شيئاً في الحياة بقدر ما لعنتُ صمتهم القديم .. لم أكن أفكرُ أن الحياة ستتوقف هنا ..

وأن رامـا مع الوقتِ ستصبحُ حلماً لي .. وسأبحث عن كل شيء في الحياة سواي ..

كنتُ أغرقُ في ثورتي بكليتي .. وعشقي لتلك الأرض يُغرقني مزيداً ومع كل قطرةِ دمٍ تسقط على أرضها !

أتعلقُ بأخضرها مزيداً ومزيداً … وأنا أحملُ في أحشائي البؤسَ .. وملامحي لا تحملُ من العشرين إلا رقماً على الهويةِ أعرف ذلك ..

لكنني ممتنةُ لتلك الولادة .. التي لا يزالُ مخاضها يصفعنا .. ولا تزالُ آلامُه تجعلنا متخبطين في الفراغ !

إلا أن الأملَ لم يمت … قوموا بلعننا كما تشاؤون … أكثرُوا من الحقدِ والكره …

اشتمونا كما شئتم … وثقوا أن الحب الذي نحمله لهذا الوطن مجرد من كل ما تفكرون به ..

نحن فقط نحلمُ به أخضراً … أخضراً دون الدماء !!!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s