أنـا دومـا !

فقدتُ الجميع .. خبئوا ورودَكم في جيوبِكم !
لا تَحملوا لي الورد الأحمر ولا الهدايا !
لا تقولوا أن ابنةَ دوما اليتيمةُ يرضيها أي شيء !
لا أريدُ الحب .. ولن أحتفل معكم !
فأنا في وطني أحملُ ازدهارَ الحرب !
وترتسمُ خريطتُهُ الداميةُ على جسدي !
ولونُ حبِه الأحمرُ يحيط بوجهي فيتركُ لي بقايا مِن أثرِ أمي وأخوتي !
لن أحتفلَ معكم !
فالوقتُ لم يعد يُسعفني !
هناكَ برميلٌ جديد سيسقطُ سهواً على رأسي لـ ينتزعَ حلم الاستفاضةِ في قولي !
أودُ لو أحكي كثيراً .. مكتظةٌ أنا بشوارعِ الياسمينِ وأحزانها …
ومشبعةٌ بعناقيدها البنفسجيةِ الباكية !
لكني ملطخةٌ بالدماء !
وصوتي مبحوحٌ فأمي كانت تهمسُ لي بوصيتِها من تحتِ الركام وأنا كنتُ أصرخ !
كنتُ أصرخُ بلا جدوى وبلا سبب !
كنت أسمعُ صوت الطائرة فوقي وأحاولُ أن يعلو صوتي عنها فيسمَع العالم ذلك الموتَ عساه يُزيحه عني !
حاولتُ جاهدة أنا أبعد الركام عن أخي الصغير لكنه لم يصدر صوتاً ولا نفساً ولا دمعة !
وهناك لعبة أختي الصغيرة التي لم يعد لها جثةٌ هنا .. تلاشت !!
وتركت على وجهي بقَاياها !
أبي .. لم أرَه لحظةَ الموت تلك .. حاولتُ البحث عنه لكن .. عيوني لم تكُن معي !
أرواحهُم سرقتني .. وقتلتني ..
لم أرحل معهم .. بقيت هنا لأصفقَ للحب !
لأهمس لكم .. أمنيتي الأخيرة !
أعطوني كفناً أحمراً وبندقية .. ولكم كل هدايا العالم الحمراء .. وهاك قلبي استخدموه حجراً ليُسكت ضمائركم الميتة إن نطقت يوماً !
أما أنا فدعوني لا أعود إلى هناك دعوني !!!

Advertisements

أينــ ـي أنا ؟!

عن غيابي أتحدث … عن تلك الفترة الزمنية التي افتقدتُني بها جداً ..
وتماهيت في الضياع !
والكل حولي يُنبهني لساعةِ الزمن وهي تمضي على عجل !
وأنا أقفُ جانباً .. أنصت لدقاتها !
وأحصي دقات قلبي اللاهثةِ ، وأقارن !
من منا يحمل الوجع أكثر يا ترى ؟!
وأينـ ي أنـا في جدول الحياةِ إن لم أكن نبضاً جنونياً يشبهني ؟!
لماذا أمتلك عقلاً وقلباً ببساطة لا يناسب هذه الحياة باسودادها القاتم ؟!
لماذا تمرُ الأيام فوقي وتدهسني كلما حاولت التقاط النفسِ من فوق كتف الصمتِ وتكبلني بالعتبِ حتى أنفجر غاضبةً ..
وأهربُ فلا أعود !
وعلى الرغم من ذلك لا ينسيني الشقاء همس اسمي بين كل يوم طليق يمر علي مختنقاً !
فأقول : ” إله بوذي تجسد مسلماً في هذه الأرضِ التي لا تتعشق إلا الموتَ ولا مكان فيها للسلام ! ”
هذه أنـا !!

دوما النار ترقص على دمائنا وأشلائنا!

عن العدم !
ومنه وإليه تضيق الدائرة أكثر .. عن تلك المشاهد الشنيعة التي يكتظ بها تاريخنا .. وعن ذلك الكم الهائل من التنكيل الذي نعاصره !
في تلك المدينة اليوم المئات تحت الأنقاض .. وآخرون يقفون على شرفة الموت يُحصون شهداءهم وأشلاء ذويهم !
في تلك المدينة القابعة في الحزن المتشبعة حد التخمة بالوجع !
هناك حرب يتيمة تقام ضدها .. وضد أهلها …
في تلك المدينة التي حملت طفولتي .. وهاهي اليوم تحتضن روحي .. وتحترق .. وأحترق معها !
وفي جسدي مئات الشظايا المتفرقة .. تحملني معها إلى هناك حيث لا حياة إلا للموت !
ليتنا كنا آخرين … يا ليت سوريتنا لم تنجبنا لنموت هكذا !
حبذا لو نلمح في هذا العالم المتسع في الوحشية لمحة صغيرة للعدل .. تُطمئن الراحلين عنا إلى السماء ..
وتنزع من قلوبنا اليأس .. نحن نحتضر كـ تلك المدينة .. وقلوبنا العاجزة تحرقها دموع الأطفال وصرخات اليتامى !
نحن نتربع على مآساتنا ونبتلع توابعها علقماً وحدنا .. كأننا منفصلون تماماً عن هذا العالم !
لا ننتمي إلا لـ لعناته التي تُصب علينا متى شاء !
دوما يا أرض الورد .. يا فزعة الحرية الأولى .. يا صلاة الشهيد الأعظم .. يا قلب الغوطة الدافئ !
لا تلعني صمتنا .. والعني براميله الهوجاء ..
العني المصفقين لذبحنا جميعاً !
وقفي منتصبة كما كنتِ .. ترحبين بالموت .. وفي صدرك انتحابات طويلة على أبنائك الراحلين !
لا تنظري للون السماء الذي شارك في خذلانك .. لا تلمحي تلك السحب السوداء في الأعلى .. غضي عن كل ذلك طرفك .. وادمعي .. ادمعي حتى نعود للحياة !
يا أرضنا المكللة بالموت اليوم … يا وجعنا الصارخ !
احملي جراحنا وامضي .. امضي نحو السماء إنا والله وراءك لسائرون !!!!!
فـ لا زلنا نحسد الشهداء وقلوبنا لم تمت .. هي فقط لم يُسمح لها بالحياة لا أكثر !