طريق القدس من القصير !

كنتُ أودع بيروت أنذاك وفي قلبي أحمل أوجاعاً وليدة متأرجحة ، ابتعاد قسري عن سوريا لمكان يبعد عنها أكثر من بيروت ” رمية الحجر ” تلك التي كنا دائماً ما نعزي أنفسنا بها ..

في اليوم التاسع والعشرين من أيار صيف عام 2013  وفي أحداث القصير الدامية داخل حمص والمعارك المحتدمة بين الجيش الحر وشبابه بمواجهة جيش الأسد وحزب الله ، وقتها كنت عائدة من شارع الحمراء في بيروت إلى الضاحية حيث كنا نسكن ، تماماً ! شاءت الأقدار أن يكون منزلنا المستأجر هناك ، اضطررت للركوب وحدي مع سائق الباص ” الموالي لحزب الله ” بعيداً عن التصنيفات الطائفية وصديقه العائد من القصير !

في ذلك الوقت كنت أحاول أن أحفظ في ذاكرتي الشوارع القليلة التي أحببتها في بيروت ، أن أختزن الحريات والجمال في عقلي ، وأنا ألمح زهرها البنفسجي المتناثر على أشجارها ، أبكي فراقها في قلبي ، وفراق كلما يقترب من سوريا كذلك ، كنت أبكي كل شيء داخلي وأختنق بالتفاصيل ..

في الطريق الذي يستغرق ما يقارب الساعة وسط زحمة بيروت ، بدأ السائق يُحدث صديقه العائد من القصير عن أحلامه في مشاركتهم القتال هناك ورغبته في ترك كل شيء هنا والمضي بلا تردد إلى ساحة المعركة ، في البداية لم يلف نظري الحديث ، لكني بدأت أشعر مع الوقت أنه يوجهه لي ، يبدو علي أني سورية أكثر من اللازم ، علاماتي المميزة كثيرة ، لاحقاُ انتبهت أنه ينظر في المرأة إليّ وهو يحكي بأسلوبه الاستفزازي عن وطني وطريقة انتهاك جماعته لشعبه وأرضه بكل وقاحة !

تركت بيروت تودعني دون أن أعيرها انتباهاً بقيت أنظاري متجهة نحوها لكن عقلي مع السائق وقلبي كان مركوناً في حارات القصير الباكية ، بدأ الصديق المصاب الذي يربط يده إلى عنقه يروي له تفاصيل المعركة المحتدمة ، أخبره بزهو أنه لعن ساعة إصابته ألف مرة لأنها منعته من متابعة القتال هناك والاستمتاع بذلك الكم الهائل من التشبيح الحر والقتل وفرض السيطرة ، سمعتها بأذني : ” ذبحناهم وما خلينا منهم حدا ، لكن يا عمي جنود نصر الله نحنا ، الله مأيدنا بنصره ، بالسواطير وحياتك روحناهم فكرك أنا بعرف احمل سلاح ؟ هو هالساطور ضربتين ويلا ” ، بدأ صديقه يهامسه بأن لواءهم في السماء وأعلامهم لا تُنكس وأين ما دخلوا ينتصرون وأنه يكره كل ارتباطات الحياة التي تمنعه من المشاركة هناك ، في أرض المعركة السورية ، ليحمل السلاح ويقتلنا على أرضنا ، استمر الحديث طويلاً متعجبة أنا وغاضبة، خليط من المشاعر داخلي أخرسني ، كيف أرد عليه ؟َ كيف أخبره أنه حقير ودنيء وقاتل ؟ وأنه متذرع بقوته على أناس عُزل ؟! ، هؤلاء لا يفهمون بالكلام أبداً وليس من المجدي النزول لمستواهم !

بعد وقت قليل وهو يحاول إنهاء الحديث بجملة تليق بحزبه المتألق على حسابنا دائماً: ” يا خيي طريقنا للقدس يبدأ من القصير وبس نخلص دبح هونيك رايحين نكمل دبح بالقدس وقول الله ” .

لم أستطع إخفاء دهشتي وقد  لمحها هو من مرآته الأمامية ، دهشت بحديثه على الرغم أني تفاديت الوقوع معه بمشاجرة كلامية ، وحاولت بلا جدوى إخفاء انفعالي الذي يظهر على وجهي علانية ، لكن دهشتي كانت ممزوجة بالغضب !

نظرت لهم متحسرة ، كارهة ، حاقدة على كل شيء ..  طلبت منه أن ينزلني في ذلك المكان لم أكن قادرة على الاستمرار في سماع ذلك التطبيل .. أصبح قتلنا هو جسر العبور للقدس ودماؤنا هي قربان ذلك النصر !

هبطت من الباص وقلت له : ” حرروا أنفسكم من تبعيتكم العمياء ثم تعالوا إلى سوريا ” ..

ومضيت عائدة في طريقي سيراً على الأقدام أحاول أن أرمي عن أكتافي ما سمعت ، تسافر روحي إلى القصير ، أجلس مع أبنائها الحالمين ، أدور في ساحاتها المهدمة ، وأحصي معهم عدد الشهداء في المجازر ، أنا ما عدت قادرة على السفر ، ولم تعد قدماي تحملانني إلى ما هو أبعد من وجع ذاك الوطن !

عندما وصلت إلى المنزل التقيت بجارتنا أم حسن ، الإنسانة الأروع في الضاحية وبيروت كلها ، لا أدري إن اكتشفت ما في نظرتي من لوم شديد لها ، ولذاك الشخص الذي تحبه هي ، كرهته أكثر من أي وقت مضى !

وكرهت كل شيء ، وحتى هذا اليوم لا أستطيع أن أسمع بطولات نصر الله ولا حزبه ، كل شيء معلق في ذاكرتي عنه هو الساطور الذي ذُبح به كثيرون من أبناء شعبي ، والقصير المدينة الباكية ، كل ما يفعله بالنسبة لي من بطولات هي مسرحيات كاذبة يضحك بها على الكثير من الناس الذي يرسمون حلم تحرير فلسطين في أذهانهم كل ليلة عبثاً ، ويرون به بطل المعجزات الذي سينقذها !

نصر الله كان سبباً في مساندة النظام حتى اليوم ولم يُقصر يوماً في قتلنا والتنكيل بنا ، لن أصفق لقاتل ، ولن أبتسم في وجهه لعملية ضد إسرائيل  ، وأنا أحفظ له مئات العمليات ضدي وضد شعبي ، لا تزال ذاكرتنا مليئة بالموت ، وأيامنا لا تخلو منه أبداً ، لا أريد مزاودة وطنية من أحد ولا أحب أن ألمح لهذه الحقيقة وجهاً آخر ، قاتلي لن يحرر شعباً آخر ولن يهمس لهم بأحلامٍ وردية ، يوماً ما سيبرر قتله لهم إن خالفوه ، يوماً ما إن استطاع تحريرهم من صديقته إسرائيل !

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s