رواية القوقعة ..

” لغتي الخاصة بالتواصل مع الناس .. مفقودة .. ميتة .. والأكثر من ذلك ليس لدي الرغبة بالمطلق في إيجاد لغة تواصل جديدة أو إحياء القديمة ”

كتب هذا وقد كان خارجاً من ذلك الفراغ نحو الحرية وهو يروي حكاياته المخلوطة بكل أنواع القهر والظلم ..

شاب مسيحي قضى في سجون النظام السوري اثنا عشر عاماً بتهمة التعاون مع الإخوان المسلمين أنذاك المجموعة التي قضّت مضاجع النظام ..

والتي حولت الثمانيات لذكريات مليئة بالمأسي ..

مصطفى كان أحد تلك القصص المترامية .. التي عانت من ظلم ومرارة داخل الأقبية المظلمة لأعوام طويلة دون أن تفهم السبب ..

الرواية تروي الكثير من التفاصيل الموجعة والمُذلة والحقيقية والتي نستيطع تصنيفها أنها أكثر لطفاً مما يحدث اليوم في الأقبية السوداء

عندما تقرأ هذه الرواية لا يساورك أدنى شعور بتكذيب ما تقرأ .. فـ في أعماقنا نحن السوريون أصبحنا نفهم تماماً أن “بيت الخالة” هو بيت الموت وليس فيه أي شيء مستحيل …

حتى استباحة الموت والتعذيب بالطرق التي يرغبها الرقيب أو المساعد في السجون .. أو أساليبهم الدنيئة بإذلال الشخص نفسياً أو التعرض لشرفه وعائلته دون أن يتمكن من الدفاع عن اسمه .. بل يصمت ، خانعاً مضطراً مكسوراً !!

في قالب حزين جداً يروي مصطفى واقعية ما عاناه في السجن من ناحيتين ..

أولهما في داخل الزنزانة مع المسجونين من جماعات وانتماءات وديانات أخرى ..

وثانيهما خارجها مع الكثيرين من السفاحين الشامتين والذين يُنقبون على أساليب تخصهم تماماً لإلحاق الأذى بالمعتقلين والتفنن بإذلالهم بشتى الطرق …

ستقرأ في هذه الرواية جانب الظلم الذي يزيدك حنقاً وكرهاً لكل ما يمت للحياة التي يسكن بها أمثال هؤلاء من صلة ..

المتكاثرين جداً في هذه الأيام وهذه الأحداث .. لا أحد ينسى كم الجرائم التي تم ارتكابها في الثمانينات والقتل والاعتقال والجنون الذي أطبق على النظام حينها فبدأ يضرب يميناً وشمالاً دون أن يعي حجم الخراب الذي يسببه أو توابع ذلك الإجرام التي بقيت في الذاكرة إلى ما بعد ثلاثين عاماً  ..

اليوم نتأكد أنه كان ولا زال جزءاً لا يتجزأ من منظومة الإجرام لا الفساد فقط ..

مشهد أبو أسعد في الصفحات الأخيرة من الرواية كان ذابحاً رغم كل المواجع التي تحكيها الرواية وأسالبيب التعذيب والبطش والظلم .. إلا أن أبو أسعد كان له الحصة الأكبر في إخناقي .. أبو أسعد ذلك الرجل السبيعيني الذي يقضي في السجن مع أبنائه الثلاثة ..
وفي صباح يوم بائس كان قد صدرَ قرار إعدام أبنائه جميعاً في اليوم نفسه .. لم يتحمل عقله تلك الصدمة وما بين لحظة الحقيقة ولحظة الجنون بدأ الأخير يتأرجح ..

لم يكن يلوم الله أو يكفر به .. لكنه كان يبحث عن إجابة واحدة فقط .. لماذا يا رب العباد تنصر الظالمين علينا ؟ لماذا تقف في صفهم ونحن لا حول ولا قوة لنا إلا بك ؟!

للحظة شعرت أنني أواجهه بألمه ذاك … أجلس مكان مصطفى وأنظر إليه مدهوشة مسحورة متألمة … أختنق بكلماته وأنا أبتلع مرارة الظلم التي أعيشها .. أصدقه بكل كلمة .. أنظر إلى السماء وأبتهل إلى الله أن يُرينا يوماً أسوداً بهم وأن لا يجعله بعيداً !!

اليوم يا عمي نتساءل أي مرار نعيشه نحن في كنف هذا النظام حتى اليوم وبعد كل تلك الأعوام وهو لا يزال يتلذذ بموتنا والتنكيل بنا بلا أي وجه حق ؟! وإلى متى ؟! ..

كثيرون هناك يشبهون سعد وسعيد وأسعد يموتون سوياً فقط لأنهم تحت رحمة الجلاد ..

وكثيرون يشبهونك اليوم يبكون أبناءهم وبناتهم الواحد تلو الأخر ..

لقد علمتنا هذه الحرب أن نصرخ كثيراً وأن تمتلئ قلوبنا بالحقد دون الحب .. تعلمنا أن نصبح أقسى وهذا الوجع يزداد كل يوم !!

الظلم العظيم يودي بالإنسان إما للجنون أو الارتياب بكل ما يقطن قلبه حتى معتقداته ، ونهاية الطريق هذا جنون أيضاً …

ذاك الظلم الذي ابتلعناه مراراً يأخذ في أجسادنا زوايا يتربع بها .. ونحن نلمح في الفجر بقايا حلم يريد أن يتحقق !!

ولا أفقَ يحتضن ذلك الحلم …

#أنقذوا_البقية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s