منذ عشرين عاماً

أعادني حداد اليوم إلى ما قبل عشرينَ عاماً من الآن وبينما كانت سوريا ترتدي ثوبَ الحداد الأسود مترقبًة خائفة شعرت أمي بآلام الطلق . كنت أتأهبُ للقدوم بينما كان الوطنُ يتباكى على الراحلِ باسل الأسد .

كانت سوريا في اليوم الأول للحداد وأنا في يومي الأول للحياة .. يقول أبي أن الشارع كان ميتاً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى لا حياة فيه ولا أرواح حتى الشوارع التي تكتظ عادة بالبشر من كل حدب وصوب في يوم السبت أول أيام الأسبوع كانت فارغة إلا من حركة الهواء الخفيفة .

الكلُ كان خائفاً من ردات الفعل التي قد تصدرُ عن الدولة بالذات بعد تداولِ خبر اغتياله لا مصادفة موته ..

كانت المحالُ قد  دهنت بين ليلة وضحاها باللون الأسود .. واستنفر المواطنونُ في منازلهم يترقبون ثورة الأب القادمة على رحيل ابنه الذي أعده منذ عشرين عاماً ليكون خليفته المنتظرة ..

الصمت كان يُغرق المكان اللهم إلا من أصوات القرآن التي تعلو هنا وهناك .. بأصوات عالية أو مترددة !

في ذلك اليوم الكئيب ولدتُ أنا وقد كانت سوريا ثكلى _بشكل مجبر _ يخالف حالها اليوم وهي ترتدي نفس الثوب الأسود .. تبكي دونما صوت .. ترتدي السواد حداداً على كل شيء يحدث فيها .. تتنفس أوجاعنا ونحن نولد كل يوم من رحم الموت ذاته ..

بذلك السواد استقبلتني سوريا وارتدته بالشكل ذاته عند رحيلي عنها !

في أيام الثورة الأولى أذكر امرأة مسنة من حماة كانت تزورنا أحياناً همست لي مرة : “باسل مات لينحرق قلب أبوه عليه ع قد ما حرق قلوبنا بالتمانينات ربك جبار يا بنتي جبار !!”

بعد اثني عشر عاماً احترق قلب الأب على ابنه إثرَ الجرائم التي لا تنسى في حماة .. تُرى متي سيتحرق قلب الابن ؟!

أترى بولادة قادمة أو موت جديد ؟!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s