معتقلة سابقة !!

معتقلة سابقة .. أول ما يتيادر لذهنك عند سماع هذه الكلمة هو العار الذي تحمله صاحبتها .. والدنس الذي رافقها وسيرافقها في حياتها القادمة .. كأن الدخول لذلك المستنقع العفن يوصمها بالعار أكثر مما يَصمه هو … كأن ما عاشته وقاسته في الداخل تختصره كلمة الشرف التي يصدعون رؤوسنا بها ..

لطالما كانت كلمة معتقلة تلاحقني لربما لأنها كانت جزءاً من حياتي الأخيرة في سوريا وقد كانت الخوف الكبير الذي يسيطر على عائلتي من جنوني البائس وغير المبرر _ من وجهة نظرهم_ ..
بعد خروج إحدى المعتقلات من سجون النظام قيل لها في إحدى المقابلات التي صادفتها كونها ناشطة في الحراك الثوري وفي أول سؤال يوجه لها : كم مرة اغتصبت ؟ ..  دون أي تردد لن أقول خجلاً .. تُرى ما وقع هذا الوجع في صدر فتاة فتحت عيونها على الثورة ووجدت نفسها منصاعة لها وقد خدرتها أوجاع الإنسانية حولها فكانت جزءاً من هذا الوطن تحمل هم ألمه وصرخته وحريته ؟! ..

لم يكن منها إلا أن ابتسمت وقالت : ” ما في بنت بتفوت لجوا ما بتغتصب ! ”
وكعادة شعوبنا الفارغة ألحقوا بها وبابتسامتها أفظع الشتائم فقط لأنها لم تختبئ خلف سؤال حاول تعريتها .. لم تجفف اسمها وتعلقه على الحائط وتنزوي في غرفتها تغتسل كل يوم من عار ألُصق بها .. غصباً !!!
هي ما كانت إلا فتاة كسرت قوقعة المجتمع السخيف وخرجت بحثاً عن وطنها المنسي في النور البعيد الذي لا تزال تراه منبعثاً من وجعها !
نحاسبها بعارنا .. بعجزنا عن حمايتها من الغدر الذي أصيبت به نلومها إن تحدثت عن كيفية اغتصابها واجترارها للموت البطيء .. نعاتبها لأنها خرجت بقوة لا تشبه انكسارنا ونيأس لأن ذلك الوجع لم يكسرها !
نحن أنانيون جداً .. نتجاهل آثار الموت المحيط بوجهها .. ونتجاهل الزرقة التي خطت حدوداً جديدة في جسدها ونلحق ذلك العار .. وتلك القضية التي تُحسب عليها هي ويُغفر لفاعلها .. نحن من نجز بفتياتنا في المعتقلات ونحن من نحاسبهن على ما يحدث معهن ..
لا أنسى قصص الانتحار الغريبة التي سمعتها في سوريا بعد بداية الحراك بوقت قصير .. ناشطات ينتحرن بعد اعتقالهن بأيام قليلة ..
” المجتمع يعتبرنا عاهرات وقد تخلى عنا في الوقت الذي دفعنا لأجله أغلى ما نملك ” هكذا كتبت قبل انتحارها ..
الغريب في الأمر أنها دُفنت فعلا كـ عاهرة يُستر علي شرفها .. لم تُحمل على الأكتاف بصفتها بطلة دخلت المعتقل لأنها صدحت بحريتها وبحثت عن حقها وحق أبنائها في الحياة القادمة … نحاسبها علي الظلم الذي نعيشه بدل أن نقف بجانبها .. كثيرات يخرجن دون أن يتحدثوا عن مواجعهم لأن ما عاشوه لا يُحكى وهن يعلمن تماماً أن ما سيعلق في رأس هذا المجتمع هو قضية الاغتصاب الغامضة .. التي ستتبعها نظرة احتقار لشخصها ستتجدد عند كل لقاء ..
أنت سجينة الحرية التي أوقدت من نار ذعرنا أملاً لنحيا .. أنت الورقة التي سُحبت من بيننا لتدفع ثمن أصواتنا المكتومة .. أنت نحن جميعاً .. ومصابك مصابنا وليخرس المجتمع عن تفاهته السخيفة !

Advertisements