حنينُ الليل الطويل !

سنبقى هكذا نحتمل ما يفوق طاقتنا ونتجاوز عن أوزار ما كان لنا بها يد ولم تدخل قواميسنا إلا معاتبةً بقاءنا صامدين ..
سنبقى طيوراً مهاجرة ألفت الغربة والابتعاد وتعايشت مع الشقاء …
وعلى حافة كل أوجاعها تُعدد النوازل على رأسها واحدة تلو الاخرى وفي كل مرة تقول : “هذا أرحم من القادم” ..
ذلك الموت لم ينتهِ هناك . ولن ينتهي أبداً .. لكن شيء ما داخلي يموت ببطء ألفته تماماً ! … الموت يُسهل بقاءنا على قيد الحقيقة وقت أطول !
لم تغب ذكرى ذلك الخميس البائس عن ذهني أبداً ..ولم أكن أنتظر أن يأتي من يذكرني يه أو يعيدني إليه ..
لأنه يشبه كثيرا من وقفاتي في زمن رحل بلا عودة …
زمن بقي فيه الكثير مني على قارعة الحياة .. كذلك اليوم تماماً …
يوم لم ينتهِ بتلك الصدمة وحسب .. استمر .. كأنه مُصر أن يستمر داخلي ..
وكأنني راغبة تماما بإقفال أي باب يقول أنكِ رحلتي للأبد ..
وكأن العتمة الكامنة في روحي تنذرني باقترابك دائماً وأن الذي أحياه دوماً يشبه ذاك الذي تبتلعينه تحت التراب !
يصعب علي نزع الحداد بسهولة فالأمر أكبر من ذلك ..
والظاهر الذي اعتاده الجميع لا يتحدث عن ركام الموت داخلي ..
تعرفينه جيدا .. أتذكرين ؟  لم أتغير يا صديقتي كما أنك بقيتي تحملين ابتسامتك المتألمة معك حيثما رحلتِ !!
كنتِ تُكررين دائماَ همساتك ضاحكة .. ” اللقاء … العودة .. الانتظار .. ”
كل ذلك يا صديقتي كان يشي برحيلك الذي أنكرته طويلاً ….وهربتي منه دائماً بوعودك المُعلقة على حافة الزمن المزيف هذا !!
لكن !!
اليوم حينما يدق عزاؤهم بابي .. أود لو أخبرهم . أنك لم تمُتي أبداً .. لا زلت تسكنين داخلي ..

تبعثرين جنونك هنا وهناك وضحكتك !! …

آه من ضحكتك التي لا تُنسى تبعثين داخلي بعضاً من رغبة قاتلة في الاستمرار هنا …

استمرار لا يبرره سوى هذياني بعبثية لقائك لاحقاً في ذلك المكان نفسه !!
صورتك لا تزال تنير هاتفي وكأني سأنتقم من ذاكرتي التي أوحت لي يوماً .. أنها نسيت تفاصيلك ..
فأرغمتها على أن تعيد تشكيلك كلما أدرت وجهي عن الحياة بائسة !!!

حنين … في القلب أنتِ كلما ازداد البؤس في الحياة ابتسمت الذكرى لي تنكراً !!!

Advertisements

بلا نهاية !!

وقفت في تلك المحطة منتظرة .. تستجمع آخر ما تبقى لها من نبض وتجمع قواها المنهزمة من هنا وهناك ..
تستجمع مع كل تنهيدة روحها التي صارعت الحياة طويلاً دونما جدوى .. تمسك ببعض ما تبقى لها .. تهمس مع أصوات الضجيج تلك بلعنات تلحقها بصوت الحياة حولها !
بحثت في حقيبتها عن شيء ما لا تدريه لربما تبحث عن نفسها ..

أخرجت شفرة كانت قد استخدمتها لتقطيع شرايينها الشهر الماضي ذلك الجنون الذي لم يبرره إلا حقدها المبالغ به على روحها تريد لها الخلاص , لطالما شعرت أن تلك الروح تقبع بجسد ميت ..
ثم مقصها الذي قصت به شعرها الطويل فيما مضى وهي تقنع نفسها بأنه يبدو أجمل … ستظهر التجاعيد بشكل أوضح على جانبي وجهها .. فتجاعيد الحزن لا يخفيها إلا القليل من الأنوثة المبالغ بها ..
ودواء جدها المسكن الذي سرقته من كيس أدويته لتتجرع ظرفاً كاملاً منه في الأسابيع القليلة الماضية !
ابتسمت وهي تنظر حولها بعد أن رأت ما كان في حياتها من فرص للخلاص ما تحققت .. من السخف أن تهرب من شيء يتمسك بك طويلاً تحاول إبعاده بكل الطرق لكنه يبقى بجوارك ..
كأنه يرجوك أن تمنحه فرصة أخيرة .. ليمنحك الأفضل !
حمقاء تلك الحياة التي تتعلق بكل الأوزار والأخطاء وتخبرنا أنها ستمنحنا غداً أفضل ..
هي لم تكن لتقتنع بكل ذلك .. سمحت لذاتها مرة أن تكون قرباناً لذلك الأفضل لكنها خسرت المزيد .. رضيت مرة أن تحني ظهرها فبدل أن تمدها الحياة بالقوة كسرته !
لم تعد تثق بشيء حولها .. لم تعد راغبة بمنح أحد فرصاً جديدة ..
“اكتفيت” هكذا صرخت ..
عادت لأيامها الماضية قليلاً وتذكرت ذلك المشهد .. عندما اندفع الجميع نحوها وهي تقع أرضاً غير قادرة على التوازن  .. وتحقد على سقوطها بجانبهم ..
تعرف تماماً أن أحداً ما سينتشلها من الأرض ويرميها على سرير ذلك المشفى ويعلقون لها ذلك السيروم الغبي .. ويحقنونها بالمهدئات والمقويات ثم يقولون عندما يعود النبض السخيف للعروق : لقد عادت إلى الحياة !
لكم كرهت هي تلك الجملة .. وكم حقدت على كل لحظة جديدة كانت الحياة أسرع من الموت فيها نحوها !
لكن في ذلك اليوم بالذات كان الأمر مختلفاً ..
لم يقل أحد أنها عادت للحياة .. لم تسمع تلك العبارة المشؤومة .. ولا سمعت صوت أفراحهم وحمدهم وشكرهم بأنانيتهم المعهودة لأنها لا تزال معهم ..
لقد بقيت هناك ولكن بات الصراع طويلاً هذه المرة ..
فالموت .. والحياة يتصارعان على سرقتها .. وأنفاسها كـ شبابها قربان هذه المرحلة !
والنهاية مفتوحة !!